أعلنت وزارة شؤون الشتات هذا الأسبوع أن تراخيص عمل 37 جمعية إغاثة دولية تعمل في غزة والضفة الغربية ستُلغى اعتبارًا من الأول من كانون الثاني/يناير، وأنه يتعيّن على هذه المنظمات وقف نشاطها في القطاع والضفة بحلول مطلع شهر آذار/مارس.
وخلال الأشهر الأخيرة، أقرت إسرائيل إجراءات تنظيمية جديدة بحق المنظمات الدولية غير الحكومية (Non-Governmental Organizations)، تلزم كل منظمة بتقديم معلومات موثقة وقابلة للتحقيق عن موظفيها. كما أن أيّة تصريحات تصدر عن المنظمة أو عن أحد موظفيها قد تغاير موقف إسرائيل، أو أية مشاركة معلومات من قبل هذه المنظمات مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، قد تُعدّ أيضًا سببًا لإلغاء الترخيص لهذه المنظمات.
لا خلاف على أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها. فقد لم تترك أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر أي شك بشأن نوايا حركة حماس. غير أن مليوني إنسان قد اقتُلعوا من منازلهم، بعضهم أكثر من مرة، ويقضون فصل الشتاء في خيام عائمه بالمياه (في أحسن الأحوال)، الذين يعتمدون اعتمادًا كليًا على المساعدات الدولية. آلاف المرضى والجرحى يقفون عاجزين أمام النظام الصحيّ الذي تضرر بشكل بالغ خلال الحرب، حيث أن المساعدات التي تقدمها هذه المنظمات ضرورية ولا غنى عنها.
من الواضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى عرقلة عمل المنظمات إلى حدّ يكاد يمنعها كليًا من مزاوله واجب إنساني بحت. إذ أن فرض موافقة موظفي الإغاثة مع مواقف وتصريحات مناهضه للحكومة، وحظر أي شكل من أشكال الرأي الآخر او المغاير، بما في ذلك فحص وتدقيق على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي للموظفين التي قد تعود إلى خمس سنوات سابقة، يشكل ملاحقة وإسكاتًا للنقد البنّاء المشروع والحقّ الديمقراطي. الأمر الذي ينسجم مع سياسة الحكومة التي تعتبر أن غزة يجب ألا تكون صالحة للعيش. فضلًا عن ذلك، فإن الانطباع السائد هو أن هذه خطوة شعبوية، تخدم احتياجات سياسية انتهازية أكثر مما تخدم أمن إسرائيل، وذلك على حساب ملايين البشر الذين يعانون. نحن ندرك أن الرد على خطوات شعبوية قد يخدمها، لكن في ظل الوضع الكارثي في غزة لا نرى بديلًا عن رفع صوت حازم وواضح.
إحدى حجج إسرائيل هي أن حجم المساعدات التي تقدمها هذه المنظمات محدود نسبيًا، غير أن هذا الادعاء لا يتلائم مع معطيات الأمم المتحدة، التي تشير إلى أن الجمعيات الدولية ترسل عبر مظلة الأمم المتحدة نحو 12% من الإمدادات المصرح بها من الأدوية الداخلة إلى غزة، ونحو 30% من الأدوية التي تنتظر الدخول، كما أنها وفرت منذ عام 2025 ما يقارب 83% من معدات الإيواء المستخدمة من قبل السكان. علاوة على ذلك، هناك منظمات لا يُقاس عملها بالكيلوغرامات أو بعدد الشاحنات؛ فمثلًا منظمة Handicap International: Humanity & Inclusion هي جهة رائدة عالميًا في مجال إعادة التأهيل الجسدي، والاحتياجات التأهيلية في القطاع هائلة ولا يمكن قياسها بشاحنات المساعدات.
إن المساس بإدخال الأدوية ومعدات الإيواء خلال فصل الشتاء، جنبا الى منع العلاجات الطبية والتأهيلية، وغياب حضور إنساني داعم وشفائي، هي خطوات تُلزم المجتمعين الطبي والنفسي برفع صوتهما. فمنذ الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة، وبالذات منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، يعيش سكان غزة في عزلة تامّه عن العالم، في محاولات للبقاء على قيد الحياه، في ظروف مُعدمه وقاسية، بالاضافه لما لذلك من تبعات واسعة على الصحة النفسية. إن وجود منظمات الإغاثة الدولية يشكل ركيزة إنسانية وشهادة على أن سكان غزة ما زالوا جزءًا من النسيج والمجتمع الإنساني الدولي.
الصمت في مثل هذا الوضع يُعد إخفاقًا أخلاقيًا صريحا. وعليه، فإننا ندعو المنظمات الصحية الدولية، وكذلك الجمعيات المهنية، إلى رفع صوتها والمطالبة بالسماح بإدخال المساعدات كاملة إلى قطاع غزة ودون عوائق.