نحن نعيش في واقع متطرف وممتد. ما يقارب السنتين مرت منذ مذبحة 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولا يزال المختطفون مهدَّدين في حياتهم ويعانون معاناة لا توصف، فيما تستمر حرب الإبادة حتى هذه اللحظة. تُرتكب باسمنا في غزة فظائع من تجويع وقتل وهجمات على المستشفيات وتهجير ودمار. هذا العنف الرهيب الذي نعيش في ظله يولّد شعورًا دائمًا بعدم الأمان، توترًا وقلقًا، ويمسّ بشكل عميق بجودة حياة جميعنا.
في هذا الواقع المشترك “سقط الجدار”: الواقع الخارجي المتطرف والعنيف اخترق كل حيّز ويؤثر في جميع المعالجين.ات والمتعالجين.ات على حد سواء. إن مفهوم “سقوط الجدار” معروف بالأساس في سياق حالات الخطر التي تثير تجارب من الضعف والقلق المشتركة بين طرفي العلاقة العلاجية. لكن العدوان الذي نشارك فيه جميعًا، بأشكال مختلفة – اعترافًا أو إنكارًا أو مقاومة أو صمتًا – يخلق أيضًا شرخًا في غرفة العلاج ويُسقط الجدار. العنف المتطرف الذي نعيشه جميعًا ينتج حالات نفسية مشتركة أخرى نشهدها ونعيشها، مثل تزايد التصورات المنقسمة والثنائية، والتراجع إلى تفكير مبسَّط، دون النظر إلى السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع. هذه الأمور تؤدي إلى التطرف والتصعيد وصولًا إلى سلب إنسانية الآخر.
كعاملات وعاملي صحة نفسية ورفاه اجتماعي، تقع على عاتقنا المسؤولية ألا نتجاهل واقعًا متطرفًا كهذا من هجوم على الإنسانية، وأن نخرج من الموقف المحايد والكلاسيكي في الحيّز العام، وأن نعمل من أجل إنقاذ الإنسانية من الانهيار. علينا أن نوضح السياقات الأوسع للقتل والإبادة المستمرة باسمنا؛ علينا أن نتمسك بالقيم الأخلاقية، أن نصرخ من أجل الضعفاء والمُسكتين، وأن نحذر من انهيار إضافي – ليس فقط للضحايا وإنما أيضًا للمجتمع المُدمِّر.
لقد تدربنا سنوات طويلة، في إطار التخصص العلاجي، على الحفاظ على السرية في الحيّز العام، وعلى الحياد في اللقاء العلاجي. أن نكون “صفحة بيضاء” يُسقط عليها العالم الداخلي. لكننا نعتقد أنه في هذه الفترات المتطرفة، فإن تجاهل الواقع، والسياقات الاجتماعية والسياسية – والسياق التاريخي للاحتلال والتمييز – هو فعل فرداني منفصل. علينا أن نسأل أنفسنا: هل أخلاقياتنا وإنسانيتنا تسمح لنا بسلوك، هو في الواقع أيضًا صمت، يتيح سلب الإنسانية وتطبيع واقع غير طبيعي؟
نسأل: كيف يمكننا أن نتحدث عن الإشباع والاستبطان الرمزي – وفي الوقت نفسه أن نصمت أمام تجويع مليوني إنسان كفعل انتقامي؟ كيف يمكننا أن نتحدث عن التعاطف، حين يُفسَّر قتل أكثر من 18,000 طفل في غزة كـ”ثمن في الحرب ضد الإرهاب”؟ كيف يمكننا أن نستمر في التفاخر بـ”المهنية” في غرف العلاج، بينما في الحيّز العام نصمت أمام التعذيب والقمع والإذلال والقتل المستمر لآلاف البشر منذ ما يقارب السنتين؟
واجبنا أن نقوم ونصرخ ونطالب بحياة آمنة وكريمة لكل إنسان أيًا كان. واجبنا أن نساعد المتعالجين.ات في حالات الانهيار – وأن نساعد أيضًا المجتمع الذي يمر بحالة انهيار كامل. نحن في لحظة تاريخية ومصيرية، وواجبنا أن نرفع الصوت الذي يناضل من أجل الإنسانية ويؤمن بإمكانية ترميمها. قد يُسمع هذا النداء، كما سمعنا مرارًا، كأنه جارح أو يضيّق المساحة – لأنه يحمل موقفًا واضحًا. لكن في نظرنا، العمل العام خارج غرف العلاج هو فعل حيوي وأخلاقي، هدفه تحسين حياة الناس الذين يعيشون في هذا الحيّز.
هذا النداء ينبع من إصرار على إنقاذ الإنسانية، وعلى التمسك بقيم الكرامة والأمان الشخصي لكل إنسان. إن العنف المستمر، والقصف، والتجويع، والدمار، والتهجير، لا يدمّر الحياة في غزة فقط، بل يدمّر أيضًا إنسانيتنا نحن. نحن هنا لنتذكر ذلك، كما ذكّر وينيكوت الحاضرين في مناقشات النزاع داخل الجمعية التحليلية البريطانية بالبحث عن ملجأ، حين قال: “إنهم يقصفون هناك في الخارج.”