عاملات وعاملو الصحة النفسية والعمل الاجتماعي ضد تصاعد العنف والتخلّي عن أمن الفلسطينيين

نداء للعمل!

عاملات وعاملو الصحة النفسية والعمل الاجتماعي ضد تصاعد العنف والتخلّي عن أمن الفلسطينيين

"عندما تفشل البيئة بشكل متواصل، يُضطر الإنسان إلى تنظيم نفسه حول البقاء لا حول الحياة"
(دونالد وينيكوت)

نحن، عاملات وعاملو المهن في مجالي الصحة النفسية والعمل الاجتماعي، أعضاء مجموعة "الصمت جريمة"، نرفع صوتنا ونعبّر عن قلق عميق إزاء التصعيد المستمر في العنف ضد الفلسطينيين في إسرائيل، الضفة الغربية، وغزة. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي بينما يتفشى هذا القدر الهائل من المعاناة البشرية من صنع الإنسان بيننا وبجوارنا. نرى في ذلك واجبًا أخلاقيًا ومهنيًا نابعًا من التزامنا بالمواثيق المهنية لمهن الصحة النفسية والعمل الاجتماعي.

يهدف هذا المستند إلى الإشارة إلى الخيط الرابط بين جميع مظاهر العنف التي سيتم تفصيلها لاحقًا، والقول إن مصدرها سياسة متعمدة من قبل دولة إسرائيل تجاه المجتمع الفلسطيني. هذه المظاهر ليست سوى أذرع تنفيذ لسياسة بنيوية وسياسية ممتدة منذ سنوات طويلة، تهدف إلى ترسيخ السيطرة والتفوّق اليهودي على الفلسطينيين في الحيّز الممتد بين البحر والنهر. عندما لا تتم معالجة العنف ولا يُدان ولا يُحقق فيه ولا يُفرض القانون حياله، فإنه لا يتفاقم علنًا فحسب، بل يتجذر أيضًا بشكل خفي في الواقع اليومي. هكذا يعمل العنف البنيوي والسياسي ليس فقط عبر السلاح، بل كذلك عبر أنظمة التعليم، والإعلام، والثقافة. لقد تعمّقت وتوسّعت عمليات شيطنة الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم داخل المجتمع اليهودي-الإسرائيلي، وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي نشهد فيها واقعًا أُخرج فيه الفلسطينيون من دائرة المسؤولية الإنسانية، وأصبح دمهم مباحًا.

يعاني المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل منذ سنوات من عنف دموي تمارسه الجريمة المنظمة المستشرية في البلدات، والتي تحصد أرواحًا بشرية بثمن لا يُحتمل. الخطر الدائم على الحياة يعطّل الروتين اليومي ويدفع السكان إلى الخوف من الخروج إلى الحيّز العام أو إرسال أبنائهم إلى المؤسسات التعليمية. إن الفجوات المتزايدة بين حجم الجريمة في المجتمعين اليهودي والعربي، وبين نجاعة تطبيق القانون، ولا سيما في نسبة القضايا التي تنتهي بتقديم لوائح اتهام، ليست نتيجة تقصير عارض أو نقص مهني، بل نتيجة سياسة إهمال وتمييز مؤسسي. تشترك في ذلك جميع مؤسسات الدولة، من السلطتين التشريعية والتنفيذية وصولًا إلى الشرطة، المسؤولة عن أمن الجمهور وتطبيق القانون في الحيّز المدني.

إضافة إلى ذلك، يتعرّض الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل لتهديد دائم بفقدان منازلهم، بحيث يصبح حتى مصدر الحماية الأساسي والفوري – جدران البيت – مهددًا. سياسة تمييزية تُخرجهم مرة أخرى من حماية القانون، وتعرّف البناء الناتج عن النمو السكني الطبيعي على أنه "غير قانوني" ومصيره الهدم. في النقب تبلغ هذه السياسة ذروتها، حيث يتعرّض المواطنون البدو منذ سنوات لتهديدات فعلية بالنزع والتهجير من أراضيهم.

إن غياب الحماية عن الفلسطينيين داخل إسرائيل يترافق مع التخلّي عنهم في الضفة الغربية، حيث يتصاعد هذا الواقع كذلك. خلال العامين الأخيرين، ينفّذ المستوطنون اعتداءات عنيفة (بوجرومات) ضد الفلسطينيين على أساس يومي. عائلات ومجتمعات كاملة فرت من أراضيها خوفًا من إرهاب المستوطنين.

هذا العنف أيضًا ليس عشوائيًا أو ظرفيًا، بل يحظى بدعم ومرافقة وحماية، وأحيانًا يُنفذ بتعاون مع الجيش. بذلك تنتهك دولة إسرائيل القانون الدولي المطبق عليها بحكم كونها قوة احتلال تتحمّل مسؤولية سلامة السكان الواقعين تحت سيطرتها.

من منظور الصحة النفسية، فإن واقع العنف المنهجي والمستمر، وانعدام اليقين، والخطر الدائم على الحياة، يخلق صدمة مزمنة تنبض باستمرار بين أحداث الصدمة القصوى؛ قلقًا مزمنًا، واكتئابًا، وشعورًا بالعجز؛ مساسًا عميقًا بالإحساس بالأمان الأساسي؛ وانهيارًا في الشعور بالاستمرارية والروتين الأسري.

خلال العامين الأخيرين، منذ 7/10 وجرائم الحرب التي ارتكبتها حماس في بلدات غلاف غزة وفي مهرجان النوفا، أطلقت دولة إسرائيل العنان لعنفها القاتل والانتقامي ضد الفلسطينيين في غزة، بأبعاد يعرّفها خبراء في مجالات دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في البلاد والعالم على أنها إبادة جماعية.

كعاملات وعمال علاج ورعاية نعرف التأثيرات الممتدة، متعددة الأجيال، والعميقة للعنف الهائل من هذا النوع، يمكننا أن نتخيل حجم الدمار والانهيار النفسي الجاري في هذه اللحظة على الجانب الآخر من الحدود. الشهادات الواردة من هناك، والموثقة بشكل واسع، تصف حيّزًا من الإبادة الجسدية والنفسية، وجحيمًا على الأرض لا تسع كلمات مثل "اكتئاب" و"صدمة" و"قلق" لوصف عمق معاناة الناجين والناجيات.

في هذه الأيام نشهد خروجًا شجاعًا للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل من حالة الجمود والخوف؛ عشرات الآلاف يخرجون إلى الشوارع مطالبين دولة إسرائيل بالوفاء بواجبها تجاه مواطنيها الملتزمين بالقانون، بحماية حياتهم وإعادة الأمان إلى الشوارع. إضافة إلى ذلك، فإن هذا النضال الذي يخوضه المواطنون العرب الفلسطينيون داخل دولة إسرائيل هو جزء من مقاومة سياسة الإهمال والقمع والنزع والعنف، القائمة كذلك في الضفة الغربية وغزة. كثيرًا ما يتصاعد القلق لدى الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل من أنهم قد يكونون الهدف التالي للاضطهاد والتهجير.

إلى جانب ذلك، نود أن نعبّر عن قلقنا أيضًا إزاء السلامة النفسية للمجتمع اليهودي في إسرائيل، الذي يفشل في كبح العنف المتصاعد داخله، ويفقد تدريجيًا الضوابط الضرورية لوجود مجتمع إنساني. إن الدوائر المتسعة للمشاركة في العنف – من تنفيذه المباشر، مرورًا بالتشجيع والدعم الواسعين اللذين يحظى بهما، وصولًا إلى السماح به عبر غضّ الطرف أو اللامبالاة – تدل على مجتمع يفقد إيمانه وطريقه نحو حلول قائمة على الحوار والاتفاقات بين البشر، وينساق وراء وهم أن القوة وحدها هي التي ستمنحه الأمان.

انطلاقًا من قلق عميق على مستقبل الحياة في الحيّز الإسرائيلي-الفلسطيني، ندعو مجتمع عاملات وعمال الصحة النفسية والعمل الاجتماعي، وفي طليعته نقاباتنا المهنية، إلى اتخاذ موقف واضح وحاسم يعارض استمرار العنف والتخلّي عن حياة الفلسطينيين – أولئك الذين يعيشون كمواطنين في الدولة، وأولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي.

ندعو المديرين والمديرات والمسؤولين والمسؤولات في مراكز الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية إلى العمل على خلق مساحات حوار آمنة ومتساوية، يمكن من خلالها مناقشة القضايا المركزية التي تشغل المعالجين في المجتمع العربي الفلسطيني، والاعتراف بشكل مسؤول وأخلاقي بالواقع الاجتماعي والسياسي القاسي الذي يعيش في ظله كل من المعالِجين والمعالَجين.

في هذه الأيام تجري احتجاجات واسعة تقودها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل. في هذا السياق من المتوقع حدوث أيام تعطيل وإضراب – ونحن ندعو رؤساء النقابات، ومديري ومديرات المؤسسات والمنظمات المختلفة: الرجاء اتخاذ موقف داعم للانضمام إلى هذا النضال، وإتاحة المجال للعاملات والعمال للإضراب، والتظاهر، والمشاركة بالطريقة التي يختارونها.

لم يعد هناك وقت: علينا أن نرفع صوتنا، وأن نتعاون مع منظمات حقوق الإنسان العاملة ميدانيًا، وأن ندعم حق الفلسطينيين في إسرائيل في حياة آمنة جسديًا ونفسيًا، وحق الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي في حياة متساوية من الأمان والهدوء والرفاه.

علينا أن نعمل من أجل وقف تجريد المجتمع الفلسطيني من إنسانيته والتخلّي عنه أمام العنف في كامل الحيّز الممتد بين البحر والنهر، والسعي إلى قيام مجتمع إنساني يحترم القيم الأساسية التي تعرّفنا جميعًا.