تخطّى إلى المحتوى الرئيسي

عشية يوم الغفران - تأملات في أوهام المعرفة واللامعرفة، وفي الكفارة

الصمت جريمة
أطفال في خيمة للنازحين في دير البلح ينظرون إلى جثمان صديقهم قبل الدفن.

يوم الغفران، الموعد الذي تُكرّسه التقاليد اليهودية للتصدي للظلم والإساءات بين البش وايضا الشعور بالذنب واتاحة إمكانيةالتصحيح. إلى جانب الصلوات الموجَّهة إلى الله، تُولي اليهودية أهمية بالغة لطلب الصفح عن الخطايا التي تقع بين إنسان وآخر. إن طلب المغفرة عن الأذى الشخصي وعن الألم والظلم الذي أوقعناه - اعترافٌ متبادل بالإساءة إلى الآخر. والإصلاح هو مسار يقوم على الإقرار بالظلم ،طلب الصفح وتحمّل المسؤولية، بما يشمل الفعل الذي من شأنه تغيير الواقع المؤذي.

لكن يبدو أن الثقافة السائدة حول يوم الغفران اليوم تُركّز على طلب الصفح وقبول العفو. في الطقس المحدد سلفاً لطلب الصفح تكمن وعود المحو والإزالة والإلغاء، التي تلغي وجود الذنب وتُطهّر نفس المذنبة حتى يوم الغفران التالي. ولفعل "الإغفار" معنى آخر اختفى من الخطاب عبر السنين: التغطية والإخفاء. وفق هذا التفسير، لا يُمحى الذنب بل يستمر في الوجود لكنه مُختبأ. وهكذا يُتيح فعل الإغفار للمذنب الإفلات من العقاب، وربما الاستمرار في أفعاله دون خشية. ثمة ذنوب تكمن في الخفاء لا من أعين الآخرين فحسب، بل من وعي المذنب ذاته، ولعل ذلك لأن الاعتراف بها يُواجه المرء بجوانب ظالمة وعدوانية في داخله، جوانب يصعب احتمالها وتُولّد العار والذنب. وصعوبة تحمّل هذه الجوانب وتملّكها تدفع المرء إلى إسقاط الشر بعيداً عن نفسه على عدو حقيقي أو موهوم. لكن الذنب يأبى الاختفاء ويُلقَى من مخابئ النفس على الآخر في لحظات النزاع والخلاف، وبشكل أشد حين يحمل الآخر شظايا من الحقيقة المرتبطة بذلك الذنب. وبدون الاعتراف بالذنب يتمدد الإسقاط حتى يصير الآخر هو الجميع.

وماذا عن ذنب إبادة شعب؟ تستلزم ذلك مسارات تفكك نفسي وآليات هائلة من الإخفاء والتمويه والإنكار. وحين تعجز هذه الآليات - تأتي محاولات التبرير. لتبرير الأفظع من كل شيء لا بد من التقليل والإبعاد وصرف الأنظار. وللإنكار لا بد من بنية اجتماعية ونفسية ملائمة وفقاعة وعي داعمة. لكن ما لا يُراد معرفته يعود ويتجلى ويخلق تناقضات في الوعي: إسرائيل تُبيد الشعب الفلسطيني - وفي الوقت ذاته تنكر وجوده؛ جنود يُصوّرون أنفسهم وهم يُعذّبون الفلسطينيين، يُفجّرون ويُرسلون بفخر مقاطع الفيديو إلى الأهل والأصدقاء - ومن يقول إنهم يقتلون ويُفجّرون فهو خائن وكذاب؛ جنود ومستوطنون بملابس عسكرية وأقنعة يُعدمون فلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي غزة وفي السجون حيث يتعرضون للتعذيب - لكن الجيش الإسرائيلي هو أكثر جيوش العالم أخلاقاً والجنود لا يفعلون سوى حمايتنا؛ وزراء حكومة يدعون إلى تسوية غزة وإلقاء قنبلة نووية عليها وإنه لا أبرياء في غزة بمن فيهم الرضّع في يومهم الأول - في مقابل صورة ذاتية جماعية لـ"شعب مختار يسعى إلى السلام".

أوهام وأوهام في مناسبة يوم الغفران. هل يمكن أن نعرف وفي الوقت ذاته لا نعرف؟ هكذا في آنٍ واحد؟ أم لحظة بعد لحظة؟ حين يصرخ الفلسطينيون مُنادين بالقتل، يمكن القول إن ذلك كذب صريح. وحين تتطلع إلينا عيون غريبة يمكن إسدال الستائر. وحين يرفع أناس من هنا أصواتهم يمكن إسكاتهم والتهديد بهم. وفي مسار موازٍ يُعاد تكريس ذنب الإخفاء. إن ردود الفعل الدافعة والمعادية والعدوانية المنفلتة على فيلم "NAZA" الذي لم يُشاهده أغلب المعلّقين، تفضح مخابئ النفس التي يُخبأ فيها الذنب. والحال أن الجرائم التي يُوثّقها الفيلم معروفة سلفاً وموثّقة وعدد لا يحصى من الشهادات من أهل غزة وأطباء وصحفيين وشهود عيان بمن فيهم جنود إسرائيليون. إن وقائع جرائم الحرب العديدة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية موثَّقة ومُصوَّرة ومُفرَّغة ومُنتشرة في السنوات الأخيرة على لسان ضحايا الإبادة الجماعية والاحتلال وشهود من الداخل والخارج، بمن فيهم يهود من سكان إسرائيل/فلسطين. ونُشرت تقارير وتحقيقات وتحليلات وتقارير من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية. غير أن الجمهور في إسرائيل سدّ أذنيه وأعمى نفسه عن رؤية المشاهد وسماع الأصوات.

لكن غالبية الإسرائيليين اختاروا صرف النظر وعدم الرؤية وعدم المعرفة، والحفاظ على صورة ذاتية أخلاقية مع لقب الضحية بينما تتواصل المجازر والدمار من صنع أيدينا. انشطار تام، وهم تام، تغطية تامة. صحفيو غزة أبلغوا عن ذلك، وشهادات الناجين من المجازر راحت تتراكم، ورأى العالم ما بذل أهل إسرائيل جهوداً جبارة، بتواطؤ إعلام مُروَّض، في أن لا يُرى. حقائق وشظايا من الواقع ترفض الجماعة اليهودية في إسرائيل مواجهتها واستيعابها، وتعود وتطفو كجزيئات مدفوعة لا يمكن إخفاؤها. حقائق عن النكبة، والاحتلال الاستعماري، وإرساء نظام فصل عنصري خاص بفلسطين، وعزل غزة وحصارها، وعزل الأراضي المحتلة ونزع ملكيتها، وتعذيب المعتقلين السياسيين بوحشية والتعذيب المتواصل الأشد قسوة من خلال لا نهاية من القوانين ومحو الحقوق الأساسية للإنسان. حقائق عن أن السابع من أكتوبر كان يمكن تفاديه منذ ما قبل عام 1948 وحتى الأسبوع والساعات التي سبقته، وحقائق عن أن الحكومة ضحّت - من بين ما ضحّت به عبر توجيهات هانيبال - بالمحتجزين والمحتجزات الذين كان يمكن إعادتهم فوراً وفي لحظات مختلفة منذ ذلك الحين، وحقائق عن انتقامية عارية من الضمير والتحفظ والمسؤولية، وحقائق عن قتل لا يتوقف وقاسٍ لأهل غزة والفلسطينيين في المنطقة الممتدة من النهر إلى البحر.

الصلة بين شطري الانشطار أمر لا يُحتمل. صدمة مجزرة السابع من أكتوبر تسكن في كل حين خلفية النفس الشخصية والجماعية - كجرح مفتوح، نتاج تخلٍّ قيادي كارثي - لكنها تُستخدم أيضاً ذريعةً لعدم الرؤية وعدم المعرفة والتبرير والاستمرار في توليد دوائر لا نهاية لها من الانتقام والعنف. إنه استعادة مرعبة لصدمة المحرقة وتجلياتها في النفس الإسرائيلية الجماعية.

وحينها، كما في حكاية ثياب الملك الجديدة، جاء يوفال أبراهام وراحيل شور في فيلمهما”NAZA" وأرونا وأظهرا لنا أن الملك عارٍ. والآن يتوحّد الجمهور كله لإسكات وتخويف من تجرأوا على إرانا ما لم نكن نريد رؤيته، وعلى إسماعنا أصوات الجنود الشاهدين بصيغة المتكلم على ما لم نكن نريد سماعه، وعلى ربط الانشطار الوعيوي بين الأيدي الفاعلة والعقل العارف. من يقول الحقيقة ويأتي بوقائع الواقع كما هي - إن كان من إسرائيل - يُعلَن خائناً، وإن كان من المجتمع الدولي - يُوصف بمعاداة السامية. وإن كان فلسطينياً - فهو كاذب ولا يهم ما يقوله أصلاً لأنه لا حق له في الكلام ولا في المقاومة ولا في الحياة. لقد خضع الفلسطيني كإنسان لنزع إنسانيته الكاملة في الوعي الإسرائيلي. إنه ليس إنساناً..

بحسب أورويل، ثمة صلة بين مدى ابتعاد مجتمع ما عن الحقيقة ومدى العدوانية والعداء اللذين يبرزان تجاه من يجرؤون على لمسها وإطفائها على السطح. وللابتعاد عن الحقيقة أبعاد عديدة: بعد مادي كإقامة الجدران، وبعد اجتماعي كتصنيف مجموعة من البشر باعتبارها لا إنسانية، وبعد سياسي يتمثل في سحق حقوق الإنسان والمواطن، وبعد عاطفي يرتكز على آليات الدفاع النفسية. آليات كالإنكار وعكس التفاعل والإزاحة والكبت والجحود وُجدت لتخفيف القلق الناجم عن التهديد الداخلي الذي لا يُحتمل. كلمات كالدفاع والتهديد تُصدّي أصداء الواقع المخيف والنازف من حولنا. لكن التهديد الداخلي، متى جرى التمييز بينه وبين الواقع، هو شيء نؤمن به كمعالجين ومعالجات لأنه يمكن أن يُعلّمنا ويرسم لنا الطريق نحو الحركة والتغيير وأحياناً الشفاء. نحن معتادون ومعتادات على العمل في فضاءات الرعب النفسي، لكن في الواقع الراهن الذي نعيش فيه تتحكم المشاعر بالبشر دون مساحة للتأمل، ويُخلط بسهولة بين الرعب النفسي والرعب من الواقع، بل أكثر من ذلك، مع الحقيقة. وهكذا فإن انفجار المشاعر، بدلاً من أن يصبح فرصة للهضم والتأمل والتعلم نحو حركة أكثر خيراً في العالم، يأخذ معنى: المشاعر = الحقيقة، وهي معادلة تقود إلى أفعال منفلتة بلا تفكير أو رقابة، تفضي إلى ضرر هائل يحدث كأمر عارض. مثل هذا التهديد الداخلي الذي لا يجد مأوى في نفس عاجزة عن الاحتواء يُسقَط خارجاً، في الغالب على من صُنّفوا مسبقاً كهدف ملائم في الخارج - وفي مجتمعنا هذا هو "اللاإنسان الفلسطيني".

أوهام النفس البشرية تُتيح المعرفة وعدم المعرفة في آنٍ واحد، أمام واقع لا يُحتمل. لكن بوصفنا من يحاولون ويحاولن أن يكونوا بشراً، بعد ثلاث سنوات غارقة في الدم شملت صدمة مجزرة السابع من أكتوبر والإعداد لإبادة جماعية للشعب الفلسطيني وتنفيذها، بما فيها تدمير كل البنى التحتية للحياة وقتل عشرين ألف طفل في غزة، حان الوقت للنظر في المرآة والتصدي للوقائع والتداعيات الأخلاقية لأفعالنا.

بوصفنا أهل علاج ورعاية نعرف جيداً ديناميكية الأسر والمجتمعات التي تتجاهل أفعال الإساءة الجارية في وسطها، أو تطالب بألا تُنشر الغسيل القذر في العلن. غير أن الغسيل مُنشور منذ زمن طويل. العالم بأسره يرى، ونحن وحدنا نضرب هنا برؤوسنا في الرمال، الرمال المشبّعة بدم الضحايا بينما نواصل طقس الكفارة والتغطية والإنكار. ليت شدة الرفض لفيلم "لا يوجد رصاصة أخرى" تكون أيضاً شهادة على شرخ في غلاف التغطية الصلب، وبقدر شدة الرفض - شدة العار والهلع مما انكشف فيه للجمهور الإسرائيلي الذي عرف ولم يعرف أفعالنا في غزة.

وفي يوم الغفران ندعو إلى محاسبة نفسية حقيقية. علينا الانتقال من محاولات محو أو إخفاء الذنب الخبيث الذي لا يُحتمل واحتوائه في النفس - إلى تحمّل المسؤولية والسعي اللانهائي للإصلاح. علينا التخلي عن الأمنية بأن مجرد وجود يوم الغفران في التقويم سيُحقق الغفران محي الخطايا. كل مسار شفاء يبدأ بقبول الواقع والإقرار بأن ما يُخفى عن العين وعن القلب وعن الوعي يواصل فعله في الظلام ويُولّد الكارثة. يتعين علينا أن نكفّ عن إغماض أعيننا عن أفعالنا وعن سدّ آذاننا عن المعاناة الإنسانية الرهيبة التي نُلحقها.

*في الصورة: أطفال في خيمة للنازحين في دير البلح ينظرون إلى جثمان صديقهم قبل الدفن، محمود عيسى، رويترز.

مشاركة

عشية يوم الغفران - تأملات في أوهام المعرفة واللامعرفة، وفي الكفارة | الصمت جريمة