ليست القضية ما إذا كانوا قد دخلوا إلى الغرفة المحصّنة، بل لماذا تتكرر الإصابات في ديمونا وعراد؟
بعد ليلةٍ من سقوط القذائف في ديمونا وعراد، مع عشرات الجرحى، عاد الخطاب العام فورًا إلى الموضع المألوف: هل دخلوا إلى الغرفة المحصّنة؟ هل تمكّنوا من الوصول في الوقت المناسب؟ هل التزموا بالتعليمات؟ وخلال لحظاتٍ معدودة. وبدلًا من التساؤل: كيف وصلنا مجددًا إلى هذا الواقع؟ ولماذا تتكرر الإصابات على هذا النحو؟ يبدأ من جديد الحكم الميداني المألوف على المواطنين. ووفقًا للتقارير المُحدّثة، أُصيب في عراد نحو 115 شخصًا، وفي ديمونا نحو 60، وهي أرقام لا يمكن اختزالها في مسألة الالتزام الفردي بالتعليمات، بل تستدعي مساءلة أعمق تتجاوز السلوك الشخصي إلى السياسات والجاهزية وشروط الحماية المتاحة فعليًا على الأرض.
لطالما كان إلقاء اللوم على الضحية هو الخيار الأسهل. الأسهل دائمًا أن نُدقّق في من دخل إلى الحيّز المحمي ومن لم يدخل، من تصرّف «على النحو الصحيح» ومن أخطأ. إنه خطاب مريح، لأنه يصرف الأنظار عن المسؤولين الحقيقيين، وينقل عبء المسؤولية من القادة إلى المواطنين، ومن صُنّاع هذا الواقع إلى أولئك الذين يُجبرون على العيش في ظله.
غير أن هذا كله ليس لبّ المسألة. فالسؤال الغائب أو المُغيَّب هو: هل كانت هذه الحرب ضرورة لا مفرّ منها؟ وهل كان محتومًا علينا أن نُساق مجددًا إلى حافة الهاوية؟ إلى ليلةٍ في عراد وديمونا وغيرها يلوذ الناس فيها الى الغرف المحصّنة تاركين خلفهم مشاهد الدمار والخوف وأجسادًا ونفوسًا مثقلة بالجراح؟
بدلًا من إلقاء اللوم على من تضرّروا، يجب مساءلة من أنتجوا هذا الخراب: قادةٌ ثملون بوهم القوة قساةُ القلوب، يزجّون بنا مرةً بعد أخرى الى المشهد ذاته.واقعٌ تنقلب فيه الحياة المدنية إلى معركة بقاء، يُدرَّب فيها الأطفال قياس الزمن حتى لحظة الانفجار تُختزل فيه حياة العائلات إلى البحث المتكرّر عن أقرب حيّزٍ محمي، وكأن هذا هو الطبيعي أو المقبول.
ومع ذلك، حتى هنا، لا ينطلق الجميع من النقطة ذاتها. فالخطاب حول «الالتزام بالتعليمات» يفرض تكافؤًا في الوصول إلى وسائل الحماية، وهو افتراض مضلِّل. إذ إن الأكثر تضرّرًا هم في كثير من الأحيان أولئك الذين لا يملكون غرفةً محصّنة، أو يفتقرون إلى حيّزٍ محمي قريب، أو يقيمون في منازل قديمة، أو في بلداتٍ مهمَّشة وعلى الأطراف، أو في القرى العربية في النقب التي تعاني نقصًا مزمنًا في البنى التحتية، أو في بلداتٍ عربية تفتقر إلى الملاجئ والتحصين الملائم, وهي أماكن لم تحظَ باستثمارٍ كافٍ منذ البداية. وحتى داخل إسرائيل نفسها، لا تتكافأ شروط الحماية. هناك من يعيش على بُعد خطواتٍ من تحصينٍ معياري، وثمّة من يُضطر إلى ابتكار سُبلٍ بدائية للبقاء في ظل الإهمال. كبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة والعائلات محدودة الموارد وسكّان القرى العربية غير المعترف بها أو المهمَّلة أصلًا, جميعهم يدفعون ثمنًا أفدح للسياسة ذاتها.
ويزداد هذا الواقع حدّةً في الضفة الغربية. فهناك، في كثير من المناطق لا تُفعَّل صفارات الإنذار أصلًا للسكان الفلسطينيين، وغالبًا ما يُعامَل الحيّز الجوي فوقهم كأنه «منطقة مفتوحة»، أي مساحة لا يُعترض ما يمرّ فوقها في الغالب. هذا لا يعتبرمجرد إهمالٍ أمني، بل هو تجسيدٌ لترتيبٍ سياسي وأخلاقيّ لقيمة الحياة نفسها. فثمّة من يتلقّى إنذارًا واخر يحظى بالحماية وهنالك من لا يُدرج أصلًا ضمن دائرة التحذير. هذه كلها مجتمعة نتاج سياسي لا قدر.
ثمن هذا الواقع لا يُقاس فقط بعدد الجرحى، ولا بمن تمكّن من بلوغ الحيّز المحمي في الوقت المناسب. لهذا الواقع كلفةٌ نفسية عميقة ومتراكمة تنطبع في الجسد والوعي معًا. القلق والخوف من مغادرة المنزل واضطراب النوم وحالة التأهّب الدائمة والرهبة من الابتعاد عن الأطفال أو البقاء وحيدًا، وتآكل الإحساس بالأمان الأساسي، كلّها معا تتحوّل إلى جزء يومي من الحياة. فالخسائر لا تقتصر على الأرواح والمنازل والممتلكات بل تمتدّ إلى ما هو أعمق: إلى الشعور بالأمان, الثقه بالعالم، والقدرة البسيطة على العيش دون أن يتحوّل كل صوت إلى مصدر للفزع.
ويغدو هذا الثمن أثقل وطأةً خصيصا على الأطفال. طفلةٌ تستيقظ مذعورةً على صوت الإنذار، وطفلٌ يتعلّم أن ينهض من نومه راكضًا نحو الغرفة المحصّنة. أطفالٌ يعيشون مرارًا تحت وطأة الهلع والانفجارات، وأهلٍ مذعورين فوق ارضية ترتجف. كل هؤلاء لا «يطوّرون حصانة» بتلك البساطة. هؤلاء يحملون معهم ندوبًا نفسية قد تمتدّ لسنوات حيث تُعيد تشكيل إدراكهم للعالم وإحساسهم بالأمان. تشكل قدرتهم على التنفّس بارتياح وعلى التركيز واللعب والحلم. إنها جراحٌ لا تُرى دائمًا بالعين، لكنها عميقة وحقيقية إلى أبعد الحدود.
وهنا تعمل آلية أخرى لا تقل خطورة: محاولة إدخالنا جميعًا إلى غرفة “محصّنة نفسية وذهنية”.لا حيّز محمي جسدي، بل مساحة نفسية وسياسية مغلقة يُفترض علينا فيها الانشغال اللانهائي بـ«الصمود» و«التكيّف» و«الثبات» والقدرة على التحمّل مرارًا وتكرارًا، بدل توجيه النظر إلى جذور الواقع والتساؤل عن كيفية إيقافه. هذه اللغة تقدم نفسها على أنها داعمة ومعزّزة، لكنها في الواقع تتحول إلى أداة تطبيع للحياة تحت النار وليس للحياة ذاتها.
وهكذا يُطلب منا أن نتكيّف بدل أن نرفض وأن ندير القلق بدل أن نطالب بالتغيير، وأن نعزّز «الصمود» بدل أن نواجه واقعًا يحطّم أسس إمكانية الحياة الآمنة والمتساوية والحرة. هذه الغرفة المحصّنة النفسية والذهنية تهدف إلى إبقائنا منشغلين بالبقاء لا بالأسئلة السياسية. بالركض إلى الغرفة الحامية بدل مساءلة مَن فرضوا علينا هذا الواقع وبتقنيات التنفس والتهدئة لا بالمطالبة الحازمة بوقف الدمار والتصعيد والإهمال.
لا! هذا ليس نظام حياة معقولاً وليس قدرًا محتومًا. إنه واقع سياسي نتج عن سياسات وقرارات بشرية وقيادية. واقع تقدّسوا فيه القوة والانتقام والدمار بدل حماية الحياة. ومع ذلك، يُطلب من الجمهور مرةً بعد مرة أن يعتاد: أن يصغي للتعليمات وأن يركض الى الملجأ في الوقت المناسب وأن يكبت الأسئلة الكبيرة في داخله.
الجوهر الحقيقي يكمن في الأسئلة الكبيرة . ليس السؤال عمّا إذا كانت هناك غرفة محصّنة، بل السؤال هو لماذا نضطر للجوء إليها مرة أخرى. ليس السؤال فقط عن مدى صحة تصرّف المواطنين، بل هل يمكن للقادة الذين وضعوهم في هذا المأزق أن يستمروا وكأنهم بلا مسؤولية؟ ليس السؤال عن كيفية النجاة من الليل، بل عن رفض قبول حياة يُصبح فيها مثل هذا الليل أمرًا طبيعيًا.
إن رفض هذا الواقع يبدأ برفض اللغة التي تلوم الضحايا وتطالب بالحديث عن الشروط التي تجعل هذه الحماية ضرورة يومية. تبدأ أيضًا برفض الانحصار داخل تلك الغرفة المحصّنة النفسية والذهنية التي تُعلّمنا احتواء كل كارثة وكأن دورنا يقتصر على الصمود. فطالما يقتصر السؤال على “من دخل إلى الحيّز المحمي” ويتجاهل من صنع هذا الواقع المفروض علينا، فسنواصل تفويت الجوهر!
لقد حان الوقت لنقول ببساطة: المشكلة ليست في”من كان في الغرفة المحصّنة”، بل في من أعادنا إلى وضع يُجبر فيه المواطنون في ديمونا وعراد والنقب والضواحي والضفة الغربية على الاختيار بين بضع ثوانٍ من الركض وبين الحياة نفسها. المشكلة هي الثمن النفسي الهائل الذي يفرضه هذا الواقع والطريقة التي يُطلب منا بها أن نقبله كأمر بديهي. المشكلة هي التكيّف مع واقع لا يبدو أن وراءه مسؤولين، وكأن لا بديل له. وكأن مصيرنا أن نعيش إلى الأبد بين إنذار وإنذار.
لا يجوز قبول ذلك كله. لا يجوز الاعتياد عليه. لا يجوز الموافقة على تحويل القلق إلى نمط حياة والصدمة إلى لغة عامة و«الصمود» إلى بديل عن الرفض. لا يجوز الاستمرار في لوم من يتضررون من الخراب. يجب لوم من يصنعونه.