هدم المنازل

*الصورة: خربة معرجم. دوما. 23.3.26

أفكر في مئات آلاف البيوت المهدّمة، والمهجورة، والمحطّمة — في غزة، ولبنان، وإيران، وإسرائيل، والضفة الغربية.
وفي داخل كل بيت: ألعاب، وألبومات صور، وأغطية أسرّة ما زالت تضوع برائحة الحب، ومناشف لا تزال رطبة من أثر الحمّام الأخير، وقدورٌ تُركت على النار، وآثار أيدٍ على الجدران، وصرخات ومشاجرات امتصّتها الستائر. أفكر في المسنّين، وفي ذوي الإعاقة، وفي أولئك العاجزين عن الفرار بأرواحهم في الشمال المقصوف، المحاصرين داخل بيوتٍ قد تتحول إلى فخاخ لموتهم. أفكر في ذوي الإعاقة وهم يُحملون على عربات بدائية في غزة، يجرّهم أفراد عائلاتهم مع أكوام من البطانيات والفرش استجابةً لأوامر الإخلاء، لحظات قبل قصف بيوتهم. وأفكر في مجتمعات الرعاة الذين يُقتلعون من مراعيهم وحياتهم الفطرية.
حين يُدمَّر البيت، لا يتداعى البناء المادي فحسب، بل تُصاب الإمكانية الأساسية لشعور الإنسان بأنه “مُحتوى” في هذا العالم. فما كان يُفترض أن يمنح الراحة، والحلم، والإحساس بالاستمرارية، يتحول في لحظة إلى شاهد عيان على الانكسار.
إن تدمير البيوت هو اعتداء على إمكانية الوجود النفسي ذاتها: على القدرة على حمل الزمن، والذاكرة، واللعب، والانتماء. ما كان بالأمس الأشد ألفةً وحميمية يصبح فجأة غريبًا، ومهدِّدًا، وعصيًّا على التعرّف؛ إنه “اللامألوف” بلغة فرويد — بل هو في الحقيقة “اللا-بيت”: بيتٌ كان ولم يعد. سريرٌ مكشوف تحت سماء مفتوحة، ولعبة وسط الغبار، وخزانة مشرعة بلا جدار يحميها — كلها شواهد على اللحظة التي اقتحم فيها “الخارج العنيف” ما كان ينبغي أن يبقى مصونًا، متجاوزًا حدًا كان يجب ألا يُنتهك. ينكسر الجدار، وتتشقق معه الأغلفة النفسية.
تقول امرأة نازحة في غزة: “ما يفصلني عن الشارع ليس سوى قطعة البلاستيك الخاصة بالخيمة”. هنا تُنتهك حميمية الجسد مرارًا وتكرارًا. إن الحياة النفسية الأولى تعتمد على وجود “بيئة حاضنة” — حيز يمكن فيه إسناد الجسد، وإرخاء التأهب، والشعور بأن العالم لن ينهار فجأة. البيت، بهذا المعنى، هو أكثر بكثير من مجرد جدران: إنه أحد الأشكال الملموسة لهذه الحماية؛ مكان تبني فيه الروائح، والأشياء المألوفة، والأصوات اليومية إحساسًا بالاستمرارية والانتماء.
وحين تُدمَّر البيئة الحاضنة مرارًا، يصبح “التأهب” حالة وجودية. ويتوقف البيت عن كونه وعدًا بالأمان، بل قد يتحول أحيانًا إلى فخ موت يدفن تحته الجسد والنفس معًا.
تَعِدُ القيادة الإسرائيلية ببيت آمن لسكان الشمال ولكل مواطني الدولة، قائلة: “فقط اسمحوا لنا أن نمحو معالم جنوب لبنان، وغزة، وطهران نهائيًا — وسيعود الأمان إلى بيوتكم”. لكن هذا الوعد يظهر مرة بعد أخرى كسراب صحراوي: وهمٌ مهدِّئ لنفس عطشى إلى قليل من السكينة، وهمٌ يدّعي أن مزيدًا من الخراب سيولد أخيرًا الحماية.
غير أن التجربة المتراكمة تُظهر أن البيت لا يصبح آمنًا عبر توسيع رقعة الخراب من حوله. بل على العكس: كلما اتسعت دوائر الاقتلاع، صار الإحساس بالأمان أكثر هشاشة، وأكثر طرداً، وأكثر ارتهاناً لمزيد من القوة.
بلغة “دونالد وينيكوت”، لا يمكن بناء بيئة حاضنة مستقرة في حيز يعيش فيه ملايين البشر تحت تهديد دائم بالطرد والقصف وفقدان البيت. البيئة الحاضنة لا تُخلق عبر نفي شروط حياة الآخر، بل عبر خلق شروط يستطيع فيها الآخر أيضًا أن يشعر بأن حياته وبيته واستمراريته ليست قابلة للمحو في أي لحظة.
لذلك، لا يمكن أن يستقر هنا سلام حقيقي ما دام بيتٌ واحد يستند في وجوده إلى خراب بيت آخر. وحدها الشروط التي تتيح بيتًا آمنًا للحياة، لكل الحياة، ولكل من يعيشون في هذا الفضاء — يمكن أن تكون أساسًا لأمان ليس سرابًا.

تُنشر صورة هذا المنشور وفقاً للمادة 27أ من قانون حقوق النشر. لقد بذلت إدارة الموقع جهوداً للعثور على أصحاب الحقوق في الصورة. إذا كنت صاحب/ة الحقوق في هذه الصورة، يمكنك التواصل معنا لإضافة حق النشر (الكريديت) أو لطلب إزالتها عبر البريد الإلكتروني: info@silenceisacrime.org